وظيفة البنكرياس للإنسان

MM: العضو متعدد الوظائف في جسم الإنسانمقدمةالبنكرياسيعد البنكرياس من الأعضاء الحيوية والبالغة الأهمية في جسم الإنسان، حيث يلعب دوراً محورياً في الحفاظ على التوازن الداخلي للجسم. ورغم صغر حجمه نسبياً، إلا أن وظائفه تنقسم إلى مهمتين رئيسيتين لا غنى عنهما: وظيفة هضمية من خلال إفراز العصارات الهاضمة التي تكسر الطعام، ووظيفة غدد صماء من خلال إفراز هرمونات حيوية تنظم مستوى السكر في الدم، وأبرزها الإنسولين والجلوكاجون. يجمع البنكرياس بذلك بين صفتي الغدة القنوية (خارجية الإفراز) والغدة الصماء (داخلية الإفراز)، مما يجعله عضواً فريداً لا يمكن للحياة أن تستمر بدونه دون تدخل طبي داعم. سيتناول هذا المقال بالتفصيل تركيب البنكرياس، ووظائفه المزدوجة، والأمراض التي قد تصيبه، وكيفية الحفاظ على صحته.التركيب التشريحي وموقع البنكرياسالبنكرياس هو عضو إسفنجي يشبه في شكله ثمرة الكمثرى، أو كما وصفه الأطباء العرب قديماً “لوزة المعدة” لموقعه خلفها مباشرة . يبلغ طوله حوالي 15 سنتيمتراً، أي ما يعادل طول يد الإنسان البالغ، ويقع أفقياً في الجزء العلوي الخلفي من البطن، خلف المعدة وأمام العمود الفقري مباشرة . يحاط بعدة أعضاء حيوية أخرى مما يجعل فحصه سريرياً صعباً، حيث يحيط به الكبد والمرارة والطحال والأمعاء الدقيقة .يتكون البنكرياس تشريحياً من أربعة أجزاء رئيسية :الرأس: وهو الجزء الأوسع، يقع على الجانب الأيمن من البطن متلائماً مع انحناء الاثني عشر (الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة).العنق: الجزء القصير الذي يصل الرأس بالجسم.الجسم: الجزء الأوسط والأطول، الذي يمتد عبر midline البطن.الذيل: هو الجزء الأضيق، ويمتد نحو الطحال في الجانب الأيسر من الجسم.يحتوي البنكرياس على قناتين رئيسيتين لنقل إفرازاته :· القناة البنكرياسية الرئيسية (قناة فيرشونغ): تصب العصارة الهاضمة التي ينتجها البنكرياس في الاثني عشر.· القناة البنكرياسية الإضافية (قناة سانتوريني): قد تكون موجودة في بعض الأشخاص كقناة إضافية.على المستوى المجهري، يتكون نسيج البنكرياس من نوعين رئيسيين من الخلايا تُحدد وظيفته المزدوجة :· الخلايا العنيبية (Acinar cells): وهي خلايا كبيرة تتجمع في شكل عناقيد عنبية، وتكون مسؤولة عن الوظيفة الهضمية عبر إفراز الإنزيمات في قنوات.· جزر لانغرهانس (Islets of Langerhans): وهي مجموعات صغيرة من الخلايا الصماء المنتشرة في جميع أنحاء البنكرياس، وتضم عدة أنواع من الخلايا:· خلايا بيتا (β-cells): تشكل حوالي 50-80% من خلايا الجزر، وتفرز هرمون الإنسولين والأميلين.· خلايا ألفا (α-cells): تشكل 15-20%، وتفرز هرمون الجلوكاجون.· خلايا دلتا (δ-cells): تشكل 3-10%، وتفرز هرمون السوماتوستاتين الذي ينظم عمل خلايا ألفا وبيتا.· خلايا غاما (γ-cells): تشكل حوالي 1%، وتفرز عديد الببتيد البنكرياسي.الوظائف الرئيسية للبنكرياسأولاً: وظيفة البنكرياس كغدة صماء (تنظيم سكر الدم)تمثل هذه الوظيفة الجانب الهرموني لعمل البنكرياس، حيث تفرز خلايا جزر لانغرهانس هرمونات مباشرة في مجرى الدم للتحكم في مستويات الجلوكوز، الذي يعد الوقود الأساسي لخلايا الجسم. تحقيق هذا التوازن أمر حيوي لعمل الدماغ والكبد والكلى بشكل سليم . الهرمونان الرئيسيان هنا هما:· هرمون الإنسولين (Insulin): تفرزه خلايا بيتا استجابة لارتفاع مستوى السكر في الدم بعد تناول الوجبات. يعمل الإنسولين كالمفتاح الذي يسمح للجلوكوز بدخول الخلايا لاستخدامه في إنتاج الطاقة. كما يحفز تحويل الجلوكوز الفائض إلى جليكوجين لتخزينه في الكبد والعضلات .· هرمون الجلوكاجون (Glucagon): تفرزه خلايا ألفا عند انخفاض مستوى السكر في الدم، كما يحدث بين الوجبات أو أثناء الصوم. يعمل هذا الهرمون بشكل معاكس للإنسولين، حيث يحفز الكبد على تحطيم الجليكوجين المخزن إلى جلوكوز وإطلاقه في الدم لرفع مستواه مرة أخرى .يعمل هذان الهرمونان في دورة متوازنة ومستمرة طوال اليوم للحفاظ على استقرار مستوى السكر في الدم ضمن النطاق الضيق والصحي .ثانياً: وظيفة البنكرياس كغدة قنوية (الهضم)أما الوظيفة الثانية للبنكرياس فهي خارجية الإفراز، حيث يعمل كغدة هضمية par excellence. تفرز الخلايا العنيبية ما يقارب 1.5 إلى 3 لترات يومياً من العصارة البنكرياسية . هذه العصارة قلوية التركيب (تحتوي على بيكربونات) مما يساعد على معادلة حموضة الطعام القادم من المعدة إلى الاثني عشر، مما يخلق بيئة مناسبة لعمل الإنزيمات الهاضمة .تنتقل هذه العصارة عبر القناة البنكرياسية الرئيسية لتصب في الاثني عشر، وعادة ما تلتقي مع القناة الصفراوية المشتركة القادمة من الكبد والمرارة . تحتوي العصارة على إنزيمات هاضمة قوية تعمل على تكسير المكونات الأساسية للطعام إلى جزيئات صغيرة يمكن للأمعاء امتصاصها :· الليباز (Lipase): يعمل مع العصارة الصفراوية (من الكبد) على هضم الدهون وتحويلها إلى أحماض دهنية وجليسيرول. يؤدي نقص هذا الإنزيم إلى سوء امتصاص الدهون والإصابة بإسهال دهني .· الأميليز (Amylase): مسؤول عن تحطيم الكربوهيدرات والنشويات إلى سكريات بسيطة مثل الجلوكوز لاستخدامها كمصدر للطاقة .· البروتياز (Protease) – ومنها التربسين والكيموتريبسين: يكسر البروتينات إلى أحماض أمينية. كما يساعد في الحماية من البكتيريا والطفيليات في الأمعاء .يتم إفراز هذه الإنزيمات بشكل غير نشط (زيموجينات) لحماية البنكرياس من هضم نفسه، وتنشط فقط عند وصولها إلى الاثني عشر بفعل إنزيمات خاصة في بطانة الأمعاء .أمراض واضطرابات البنكرياس الشائعةعند إصابة البنكرياس بخلل ما، فإن ذلك ينعكس سلباً على عملية الهضم وتوازن سكر الدم. من أهم الأمراض التي تصيبه:· التهاب البنكرياس (Pancreatitis): وهو التهاب يصيب الغدة، وقد يكون حاداً مفاجئاً أو مزمناً طويل الأمد. يحدث غالباً عندما تنشط الإنزيمات الهاضمة داخل البنكرياس نفسه بدلاً من الأمعاء، فتبدأ في “هضم” العضو مما يسبب التهاباً شديداً وألماً في أعلى البطن قد يمتد إلى الظهر، مصحوباً بالغثيان والحمى . من أسبابه الشائعة حصوات المرارة التي تسد القناة المشتركة، والإفراط في تناول الكحول .· داء السكري (Diabetes Mellitus): وهو أشهر الأمراض المرتبطة بالبنكرياس.· النوع الأول: مرض مناعي ذاتي يقوم فيه الجسم بمهاجمة وتدمير خلايا بيتا المنتجة للإنسولين، مما يؤدي إلى نقص كلي أو شبه كلي في الهرمون .· النوع الثاني: لا ينتج عن توقف البنكرياس عن العمل، بل عن مقاومة خلايا الجسم لتأثير الإنسولين. ومع مرور الوقت، قد يتعرض البنكرياس للإجهاد والإرهاق .· سرطان البنكرياس (Pancreatic Cancer): من الأنواع الخطيرة التي غالباً ما يتم اكتشافها في مراحل متأخرة بسبب قلة الأعراض المبكرة. تشمل عوامل الخطورة التدخين والسمنة والتاريخ العائلي .· قصور البنكرياس الخارجي (Exocrine Pancreatic Insufficiency): حالة لا ينتج فيها البنكرياس كميات كافية من الإنزيمات الهاضمة، مما يؤدي إلى سوء امتصاص العناصر الغذائية والإسهال الدهني ونقص الوزن .طرق تشخيص أمراض البنكرياسنظراً لموقع البنكرياس العميق في البطن، يتم الاعتماد على مجموعة من الفحوصات المخبرية والشعاعية للتشخيص :· الفحوصات المخبرية:· تحاليل الدم: لقياس مستوى إنزيمات البنكرياس (الأميليز والليباز) التي ترتفع في حالات الالتهاب الحاد. كما تشمل قياس مستوى السكر والأنسولين في الدم .· تحاليل البراز: للكشف عن وجود الدهون غير المهضومة أو قياس مستوى إنزيم الإيلاستاز، الذي يشير انخفاضه إلى قصور في الوظيفة الهضمية للبنكرياس .· الفحوصات التصويرية:· الموجات فوق الصوتية (الإيكو) والتصوير المقطعي المحوسب (CT) والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI): لتوفير صور واضحة للعضو والكشف عن أي التهاب، أو تكيسات، أو أورام .· تصوير البنكرياس والقنوات الصفراوية بالمنظار (ERCP): وهو فحص متخصص يجمع بين المنظار والأشعة السينية لتشخيص وعلاج مشاكل القنوات .نصائح للحفاظ على صحة البنكرياسيمكن تقليل خطر الإصابة بأمراض البنكرياس من خلال اتباع نمط حياة صحي :الحفاظ على وزن صحي: تساعد ممارسة الرياضة بانتظام وتجنب السمنة في الوقاية من مرض السكري من النوع الثاني وحصوات المرارة، وهي من الأسباب الرئيسية لالتهاب البنكرياس .اتباع نظام غذائي متوازن وقليل الدهون: يقلل النظام قليل الدهون من خطر تكون حصوات المرارة، كما أن السمنة عامل خطر للإصابة بسرطان البنكرياس .التوقف عن شرب الكحول: يعد الإفراط في تناول الكحول من الأسباب الرئيسية لالتهاب البنكرياس الحاد والمزمن .الإقلاع عن التدخين: يضاعف التدخين من خطر الإصابة بالتهاب البنكرياس المزمن وسرطان البنكرياس بشكل كبير .إجراء الفحوصات المنتظمة: خاصة للأفراد الذين لديهم تاريخ عائلي قوي مع أمراض البنكرياس أو السكري، للمساعدة في الكشف المبكر عن أي مشاكل .خاتمةيظل البنكرياس بمثابة بطل صامت يعمل بكفاءة خلف الكواليس ليضمن هضم الطعام بشكل صحيح ويحافظ على توازن الطاقة في الجسم عبر تنظيم سكر الدم. إن فهم التركيب المعقد والوظائف المزدوجة لهذا العضو يسلط الضوء على أهميته البالغة لصحتنا. إن العناية بالبنكرياس من خلال الخيارات اليومية المتعلقة بالتغذية والنشاط البدني وتجنب الممارسات الضارة مثل التدخين وتعاطي الكحول ليست مجرد وقاية من الأمراض المباشرة التي قد تصيبه، بل هي استثمار في الصحة العامة للجسم بأكمله. وعندما يعمل البنكرياس بشكل جيد، فإنه يساهم بشكل غير مباشر في نشاطنا وحيويتنا وجودة حياتنا اليومية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top