مقدمة: ما هو الباراسيتامول ولماذا تستخدمه الحوامل؟
الباراسيتامول (ويُعرف أيضًا باسم أسيتامينوفين) هو دواء مسكن للألم وخافض للحرارة متاح بدون وصفة طبية، ويُعتبر الخيار الأول للعديد من النساء الحوامل عند الحاجة لتخفيف الألم أو خفض الحمى. لطالما اعتُبر الباراسيتامول أكثر أمانًا من مسكنات أخرى مثل الإيبوبروفين خلال الحمل، لذا شاع استخدامه بشكل واسع بين الحوامل حول العالم[1]. تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف النساء الحوامل عالميًا يستخدمن الباراسيتامول خلال فترة الحمل[2]، مما يجعله من أكثر الأدوية انتشارًا في هذه الفئة.
لماذا أُثير الجدل حول الباراسيتامول والتوحد؟
على الرغم من سمعته كدواء آمن، اندلع في السنوات الأخيرة جدل في الأوساط الطبية والإعلامية حول احتمال وجود صلة بين استخدام الباراسيتامول أثناء الحمل وزيادة خطر إصابة الأطفال بالتوحّد أو اضطرابات نمو عصبي أخرى. بدأت شرارة هذا الجدل بعد نشر دراسات رصدية أشارت إلى رصد ارتباط إحصائي (وليس بالضرورة سببي) بين تناول الأمهات للباراسيتامول خلال الحمل وارتفاع طفيف في معدلات تشخيص التوحد وفرط الحركة ونقص الانتباه لدى أطفالهن. تناقلت وسائل الإعلام هذه النتائج بشكل واسع، مما أثار مخاوف لدى الأمهات الحوامل ودفع الكثيرين للتساؤل عن صحة استخدام هذا الدواء الشائع. حتى أن بعض الشخصيات العامة أدلت بتصريحات غير مدعومة علميًا تربط فيها بين الباراسيتامول والتوحّد، الأمر الذي استدعى ردودًا من الجهات الصحية لتوضيح الحقيقة[3]. وبسبب حساسية موضوع التوحد ورغبة الأهالي في حماية أطفالهم، اكتسب الموضوع اهتمامًا كبيرًا وأصبح محل نقاش ساخن بين الباحثين والأطباء.
دراسات أشارت إلى ارتباط محتمل بالتوحد واضطرابات النمو
عدة دراسات رصدية ضخمة ألمحت إلى وجود علاقة بين استخدام الباراسيتامول أثناء الحمل وزيادة طفيفة في خطر اضطرابات النمو العصبي لدى الأطفال. على سبيل المثال، وجدت بعض الدراسات أن أطفال الأمهات اللواتي تناولن الباراسيتامول بشكل متكرر أثناء الحمل لديهم معدلات أعلى نسبيًا (وإن كانت لا تزال منخفضة عمومًا) من تشخيص التوحّد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه مقارنةً بأطفال أمهات لم يتناولنه[4]. في عام 2025، نُشر تحليل شامل جمع نتائج 46 دراسة سابقة من عدة دول، وخلص إلى أن غالبية تلك الدراسات (27 منها) أظهرت ارتباطًا إيجابيًا ذا دلالة إحصائية بين تعرض الجنين للباراسيتامول وارتفاع معدلات التوحد أو اضطرابات النمو الأخرى، فيما لم تجد 9 دراسات أي ارتباط يُذكر وأشارت 4 دراسات إلى احتمال تأثير وقائي[5]. ولاحظ القائمون على هذا التحليل أن الدراسات الأعلى جودة كانت الأكثر ميلاً لإظهار هذا الارتباط[5]. كما أثار بعض الباحثين فرضيات بيولوجية لتفسير كيف يمكن للباراسيتامول أن يؤثر على نمو الدماغ، مثل قدرته على عبور المشيمة وما قد يُسببه من إجهاد تأكسدي أو تغييرات هرمونية في جسم الأم يمكن أن تؤثر على تطور دماغ الجنين[6]. جدير بالذكر أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) استندت إلى هذا الرصيد المتزايد من الدراسات لتعلن في أواخر 2025 أنها ستضيف تحذيرًا احترازيًا على عبوات منتجات الأسيتامينوفين، ينبه إلى احتمال ارتباط استخدامه أثناء الحمل بمشكلات عصبية لدى الأطفال[7]. وعلى الرغم من هذه النتائج، أكد الباحثون أن الارتباط ليس إثباتًا للسببية؛ أي أننا لا نستطيع الجزم بأن الباراسيتامول هو الذي يُسبب التوحّد فعليًا، بل ربما هناك عوامل أخرى مشتركة بين الأمهات اللواتي يستخدمن الدواء هي التي تزيد خطر التوحد.
دراسات وأدلة نفت وجود علاقة أو عزتها لعوامل أخرى
في المقابل، ظهرت دراسات أخرى كثيرة تنفي وجود صلة مؤكدة بين الباراسيتامول والتوحّد عند الأطفال، أو تفسّر الارتباط الذي شوهد في بعض الأبحاث بعوامل مُربِكة (أي عوامل أخرى قد تكون هي السبب الحقيقي خلف زيادة خطر التوحد). على سبيل المثال، ارتفاع حرارة الأم أو إصابتها بعدوى خلال الحمل قد يدفعها لتناول الباراسيتامول، وهذه الظروف بحد ذاتها (كالالتهابات أو الحمى الشديدة) مرتبطة بزيادة طفيفة في خطر مشاكل نمو لدى الطفل، مما قد يوحي خطأً بأن الدواء هو السبب بينما المسبب الحقيقي هو حالة الأم الصحية[8][9]. كذلك، قد يكون لدى بعض الأمهات قابلية جينية أو ظروف بيئية مشتركة تؤثر على صحة الطفل ونموه العصبي بمعزل عن الدواء. وقد دعمت أكبر دراسة من نوعها حتى اليوم هذه الفرضية؛ فقد نُشرت في عام 2024 دراسة سويدية واسعة شملت حوالي 2.5 مليون طفل، واعتمدت منهجية فريدة بمقارنة الأشقاء (حيث تكون العوامل العائلية والجينية متشابهة). وجدت هذه الدراسة أنه عند مقارنة الأشقاء لا يظهر أي فرق يُذكر في معدلات التوحد أو فرط الحركة بين الطفل الذي تعرض للباراسيتامول أثناء الحمل وأخيه الذي لم يتعرض له[10]. بعبارة أخرى، لم يجد الباحثون أي زيادة ذات دلالة في خطر التوحد أو ADHD مع استخدام الباراسيتامول عند ضبط العوامل الوراثية والبيئية العائلية[10]. واستنتج الباحثون أن الارتباط البسيط الذي ظهر في بعض الدراسات السابقة قد يكون ناتجًا عن عوامل عائلية أو جينية مشتركة لم تؤخذ بالحسبان، وليس بسبب الدواء نفسه[11]. إضافةً إلى ذلك، أظهرت مراجعات أخرى أجرتها جهات صحية (مثل وكالة الأدوية الأوروبية في 2019) أن البيانات المتاحة غير حاسمة ولم تتمكن من إثبات وجود رابط مباشر بين الدواء واضطرابات النمو لدى الأطفال[12]. وخلاصة القول أن الأدلة العلمية متضاربة: بعضها يشير لارتباط ضعيف، وبعضها الآخر ـ وخاصة الأكثر دقة وضبطًا للعوامل ـ لم يجد أي رابط سببي يُذكر.
ماذا تقول الجهات الصحية الرسمية؟
اتخذت المؤسسات الصحية الكبرى حول العالم مواقف حذرة ولكن مطمئنة إلى حد كبير حيال هذا الموضوع. منظمة الصحة العالمية (WHO) أوضحت مؤخرًا أنه لا يوجد دليل علمي قاطع يؤكد وجود صلة بين استخدام الباراسيتامول في الحمل والتوحّد، ووصفت الأدلة الحالية بأنها “غير متسقة” أو غير ثابتة[3]. في المقابل، إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تبنّت نهجًا وقائيًا فأصدرت في 2025 تحذيرًا مستندًا إلى مبدأ الحيطة؛ حيث رأت أنه من واجبها تنبيه الأطباء والحوامل إلى وجود دراسات تشير لاحتمال ارتباط ما، مع التأكيد في نفس الوقت على أن هذه الدراسات لم تثبت علاقة سببية مؤكدة[13]. الـ FDA شددت على أن القرار الأخير يبقى للطبيب والمريضة، فهناك حالات يبقى فيها استخدام الباراسيتامول مبررًا (مثلاً في السيطرة على ارتفاع الحرارة الشديد لدى الحامل لتجنب مخاطر الحمى على الجنين)[13]. أما الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد (ACOG) فقد أصدرت بيانات تطمينية بشكل واضح. أكدت الـ ACOG أن الأسس العلمية لا تدعم الادعاء بأن تناول الباراسيتامول خلال الحمل يؤدي إلى التوحّد[14]، مستشهدةً بأحدث الدراسات عالية الجودة التي لم تجد أي زيادة في مخاطر التوحد أو غيره عند استخدامه بصورة معقولة. كما ذكرت أن هذا الدواء خضع لأبحاث ومتابعة لأكثر من عقدين من الزمن دون ظهور دلائل على ضرره عند الاستخدام الصحيح[15]. وعبّرت الكلية عن قلقها من أن تسبّب التقارير المبالغ فيها خوفًا غير مبرر لدى الحوامل، قد يدفعهن للامتناع عن علاج حالات مرضية تستدعي تناول الدواء (كالحمّى الشديدة أو الصداع النصفي)، مما يعرضهن ويعرض أجنّتهن لمخاطر موثقة في حال عدم العلاج[16]. بشكل عام، تتفق معظم الجهات الرسمية (بما فيها منظمات أوروبية كوكالة EMA والهيئات الوطنية للصحة) على رسالة واضحة: لا تغييرات جوهرية في التوصيات حتى الآن، والباراسيتامول يبقى خيارًا آمنًا ومناسبًا عند الحاجة وفق الجرعات الموصى بها وتحت إشراف طبي[17][18].
نصائح لاستخدام الباراسيتامول بأمان خلال الحمل
إليكِ عزيزتي الحامل بعض الإرشادات العملية لضمان الاستخدام الآمن للباراسيتامول أثناء الحمل: – استشارة الطبيب أو الصيدلاني: قبل تناول أي دواء أثناء الحمل، من الأفضل استشارة مقدم الرعاية الصحية. يمكن للطبيب تأكيد الحاجة للباراسيتامول وتحديد الجرعة المناسبة لحالتك. – استخدام أقل جرعة فعّالة لأقصر مدة ممكنة: اتبعي قاعدة ”الحد الأدنى الضروري“؛ أي خذي أقل جرعة تُخفف الألم أو الحمى ولا تواصلي الدواء لفترة أطول من اللازم[18]. على سبيل المثال، إذا كان بإمكانك الاكتفاء بحبتين في اليوم فلا تأخذي أربع، وإذا زالت الأعراض فلا تكرري الجرعة. – عدم تجاوز الجرعة الموصى بها: التزمي بالجرعات القصوى المسموح بها في اليوم (عادةً ما لا يتجاوز البالغ 4 غرامات من الباراسيتامول في 24 ساعة). الجرعات الزائدة من هذا الدواء قد تؤثر على الكبد لدى الأم سواء كانت حاملًا أم لا. – تجنّبي مسكنات أخرى خطرة خلال الحمل: لا تلجئي إلى مسكنات مثل الإيبوبروفين أو الأسبرين خلال الحمل إلا بتوصية طبية خاصة، فهذه الأدوية قد تسبب مشاكل معروفة للجنين (خصوصًا في الثلث الأخير من الحمل)[19]. يبقى الباراسيتامول هو الخيار الأكثر أمانًا غالبًا لعلاج الألم والحمى أثناء الحمل[20]. – علاج الحمى والألم عند الحاجة: لا تتهاوني في معالجة الحمى المرتفعة أو الألم الشديد أثناء الحمل. الحمّى المرتفعة غير المعالجة قد تضر بالجنين، لذا يعتبر التحكم بالحرارة مهمًا (والباراسيتامول هو الخيار الأنسب لذلك). تذكّري أن ترك الألم الشديد دون علاج قد يؤدي إلى توتر وارتفاع في ضغط الدم لديكِ، وهذا أيضًا غير مرغوب في الحمل[21]. – المتابعة الطبية في حال استمرار الأعراض: إذا لم ينجح الباراسيتامول في تخفيف الألم أو انخفضت الحرارة ثم عاودت الارتفاع، راجعي طبيبك. قد تكون هناك حاجة لتقييم أعمق أو علاج آخر آمن يناسب حالتك.
الخلاصة: الرأي العلمي الحالي والتوصية النهائية
في الوقت الراهن، يميل الإجماع العلمي والطبي إلى عدم وجود دليل قاطع يربط بشكل مباشر بين تناول الباراسيتامول أثناء الحمل وإصابة الأطفال بالتوحّد. نعم، ظهرت بعض الدراسات التي أثارت تساؤلات، لكن بالمقابل جاءت دراسات أحدث وأقوى لتحسم بأن تلك الصلات المزعومة غالبًا ما نتجت عن عوامل خلفية وليس عن تأثير الدواء نفسه[11]. الجهات الصحية العالمية والمحلية لا تزال تؤكد أن استخدام الباراسيتامول عند الحاجة وبجرعات معقولة هو خيار آمن للحامل ولا يُعرّض طفلها لخطر التوحّد[22]. بالتالي، لا داعي للذعر أو التسرّع في استبعاد هذا الدواء الفعال عند الحاجة الحقيقية إليه. الرسالة الأهم هي الاعتدال والتوازن: استخدمي الدواء بحكمة وحسب الإرشادات الطبية، وناقشي أي مخاوف لديك مع طبيبك الذي سيوجّهك للأفضل. تذكّري أن صحة الأم الجسدية والنفسية مهمة أيضًا لصحة الجنين؛ فإذا كنتِ تعانين من ألم أو حمى شديدة، فإن معالجتها ضروري لصحتك وصحة طفلك. في النهاية، يواصل العلماء أبحاثهم لفهم أسباب التوحّد واضطرابات النمو بشكل أفضل، لكن في ضوء المعطيات الحالية، لا يوجد سبب طبي يدعو الأمهات الحوامل إلى الخوف المفرط من الباراسيتامول عند استخدامه بشكل سليم.
المراجع العلمية
- Ahlqvist VH et al. (2024). Acetaminophen Use During Pregnancy and Children’s Risk of Autism, ADHD, and Intellectual Disability. مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA), 331(14):1205-1214[10][11].
- Prada D et al. (2025). Evaluation of the evidence on acetaminophen use and neurodevelopmental disorders using the Navigation Guide methodology. مجلة Environmental Health, 24(1):56[5][23].
- ACOG (2023). Acetaminophen in Pregnancy – FAQ. الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد (تأكيد سلامة استخدام الباراسيتامول خلال الحمل)[14][11].
- FDA (2025). FDA Responds to Evidence of Possible Association Between Autism and Acetaminophen Use During Pregnancy. بيان صحفي لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، 22 سبتمبر 2025[7][13].
- WHO / Reuters (2025). WHO says evidence ‘inconsistent’ of link between autism and paracetamol use in pregnancy. تقرير إخباري، رويترز – جنيف، 23 سبتمبر 2025[3].
- EMA (2025). Use of paracetamol during pregnancy unchanged in the EU. وكالة الأدوية الأوروبية – بيان صحفي، 23 سبتمبر 2025[17][12].
[1] [2] [5] Evaluation of the evidence on acetaminophen use and neurodevelopmental disorders using the Navigation Guide methodology – PMC
[3] WHO says evidence ‘inconsistent’ of link between autism and paracetamol use in pregnancy | Reuters
[4] [7] [13] FDA Responds to Evidence of Possible Association Between Autism and Acetaminophen Use During Pregnancy | FDA
[6] [23] Mount Sinai Study Supports Evidence That Prenatal Acetaminophen Use May Be Linked to Increased Risk of Autism and ADHD | Mount Sinai – New York
[8] [9] [10] Acetaminophen Use During Pregnancy and Children’s Risk of Autism, ADHD, and Intellectual Disability | Attention Deficit/Hyperactivity Disorders | JAMA | JAMA Network
[11] [14] [15] [16] Acetaminophen in Pregnancy | ACOG
[12] [17] [18] [22] Use of paracetamol during pregnancy unchanged in the EU | European Medicines Agency (EMA)
[19] [20] [21] Paracetamol and pregnancy – what you need to know – Department of Health and Social Care Media Centre
